Non classé

أثر التّراسل بين الفنّ التّشكيليّ والفنون الأخرى : تجربة الفنّانة « جينا باين » أنموذجا

تقديم

إن المتأمّل في تاريخ الفنّ التشكيلي يلمح أن الممارسات الفنية قد مثّلت شكلا من أشكال التعبير أو النشاط الإنساني الذي لا ينفك يتغيّر ويتطوّر ويتلوّن بحسب المستجدات الحاصلة في المجتمع. فالأثر الفنّي محكوم بدافعيّة فكريّة تضرب بجذورها في نسيج المجتمع ثقافيّا وسياسيّا وتنفتح في الآن ذاته على الوسائط والآليات التكنولوجية الحديثة وعلى البرمجيات الرقمية التي تنتج خطابات تشكيلية غير مألوفة تؤدي إلى الاستغناء عن اللغات التقليدية ذات الاختصاص المتفرّد سواء كان أدبا أو شعرا أو مسرحا أو سينما أو فنا تشكيليا أوتصويرا فوتغرافيا… وضمن هذا السياق، ابتعد الفنّان المعاصر عن جماليات الفن التصويري وفن النحت…مستبدلا ذلك بقيم تعبيرية مختلفة ومعايير فنية جديدة تقطع الصلة مع السائد وتفتح المجال أمامه لكي يجدّد ويبتكر في فعله التشكيلي إذ نجده يتمرّد عن النظم الفنية السائدة ممّا يسمح لعمله الفني أن يتحرّر من الأبعاد الجماليّة التي تعاقبت على ترسيخه ضمن المفاهيم التقليدية للفنّ. وهكذا أمكن للفنّان المعاصر أن يؤسّس لنفسه طابعا خاصّا به يستجيب لميولاته الفكريّة مما أدى إلى بروز توجّهات فنّية متحرّرة وصلت به إلى حدود تحوّل « الجسد الانساني » إلى مادّة للعمل الفني تطوّع وتصاغ وفقا لميولاته التعبيريّة التي تعمل على استفزاز المتلقّي وإثارته.

وانطلاقا من التحولات الّتي عرفتها الساحة الفنية المعاصرة، التي شهدت تغيّرا في القيم الجماليّة السائدة وأثّرت بطبيعة الحال على مجرى الخطاب الفنّي والتعبيري، وغيّرت في موقف الفنّان من العالم وبالتحديد من رؤيته حول النقل والمحاكاة للواقع، ارتأينا أن يكون الرهان في هذا البحث قائما بالأساس على مشروع التراسل والانفتاح بين المجال الفني وميدان المسرح بمختلف تجلّياته، وذلك بطرح فكرة تعامل الفنّان التشكيلي مع الحضور الحقيقي للجسد الذي أصبح وسيلة للاتّصال المباشر مع المشاهد من خلال الإيماءات الحركية والفعل التعبيري للجسد. إذ نجد الفنّان يسائل جسده الخاص ويُنشئُ معه علاقات جديدة لم تكن مألوفة من قبل في العمليّة الإبداعيّة بكلّ أبعادها التّشكيليّة. وبما أنّنا اخترنا أن يكون مدار البحث حول فكرة التراسل والالتقاء ما بين الفعل التّشكيلي وتجلّيات الفعل المسرحي ضمن الممارسة الفنية الواحدة فإنّ الإشكاليّة التي سنتطرّق إليها في هذا المبحث تكمن في دراسة تجلّيات الفعل الإبداعي وتحديدا الخطاب التّشكيلي الّذي ينبثق من رحم فكرة التّوليف والتّفاعل بين الفنون البصرية والسمعية الّتي لا تنتمي إلى الحقل التشكيلي كالموسيقى والمسرح والرقص والأدب…وغيرها من الفنون. وضمن هذا الإطار، ارتأينا تسليط الضوء على بعض المسارات الفنية الّتي يتوجّه من خلالها الفنّان إلى بلورة فعله التشكيلي انطلاقا من فكرة استلهام المدارك الجمالية للعمل المسرحي ومحاولة تصريفها في الإبداع التشكيلي بالاعتماد على فكرة التشارك بين الفنّ المسرحي والفنّ التشكيلي بطريقة تنأىعن التوظيف المبتذل وذلك بالاستئناس لنظرية التجاذب بين الفنون كما نظر لها « اتيان سوريو ». وانطلاقا من فكرة اختراق الحدود بين مختلف الفنون التي تنفتح على بعضها البعض، ارتأينا أن نبدأ الدراسة التحليلية بالإشارة إلى البوادر الأولى لحركة فنّ الأداء وذلك بالتّعرف إلى روّادها في العالم الغربي والإحاطة بأهمّ المفاهيم والمصطلحات المؤسّسة والمصاحبة لهذه المنجزات. قبل المرور إلى دراسة تحليلية ومساءلة نقدية مستفيضة لبعض التجارب الفنية البصرية المعاصرة التي انبنت على فكرة أنّ الفعل التشكيلي لا يقبل صفة الثبات والاستقرار على نفس التمظهرات وأنّ سائر الفنون تتآلف فيما بينها لتقديم عروض فنية استعراضية حيّة تعمل على استفزاز المشاهد وتحريك جميع حواسه حتّى يتفاعل معها.كما أننا سنسعى نحو استبيان واستيضاح التمفصلات التشكيلية لبعض الأعمال الفنية التي اتخذت لنفسها منهج العروض الفنية الزائلة وذلك باستكشاف جوهر المنجز الفني وفهم مختلف التّعبيرات والعلاقات المتولّدة عن مكوّناته الظاهرة والمبصرة وصولا إلى تفكيك العناصر الفكّرية المبطنة وبيان الأطر التي يتبلور من خلالها.

وما يهمّنا في هذا السياق أيضا، هو استجلاء الدور الذي يلعبه كلّ من المسرح والموسيقى في ميدان الفنون التشكيلية إذ يتّخذ الفنّان التشكيلي من الجسد الإنساني الحي مادّة أساسية للعمل الفني المعاصر، ومن خلاله يمكنه التّخلي عن اللّوحة المسندية كمحمل لفعله التشكيلي إضافة إلى التخلّص من جمودها وبذلك تختفي التقنيات التّشكيليّة التقليدية في إنتاج المنجز الفني إذ يستبدلها الفنّان المعاصر في المقابل بالمحمل الحيّ الذي يتقبّل كلّ أفعاله وتدخّلاته عليه، ممّا يسمح له بتخطّي وتجاوز حدود المفاهيم السائدة التي كانت تسيّج كلّ من الفنون التشكيلية وفن المسرح والموسيقى والرقص. وعلى هذا النّحو يتمّ إدماج خصوصيات العمل التشكيلي وآليّاته ببعض تجلّيات العمل المسرحي ومقوماته ليكون بذلك الفعل الإنشائي مبنيا على إيجاد صيغة تواصل وتحاور بين الظاهرتين، وفي هذا المعنى يقول ابراهيم الحيسن: »…فبعد أنّ كان العمل الفنّي لوحة على سبيل المثال، أصبح العمل الفنّي يجمع بين أكثر من رسم وتصوير وتصميم وتجسيم خامات متعدّدة وحركة وكهرباء. وامتد الأمر فيما بعد إلى امتزاج أكثر من فن وأداء في العمل الفنّي، فنجده يجمع ما بين التشكيل والمسرح والتلفاز والكمبيوتر والعلم بكافة أطرافه، بالإضافة إلى الشعر والإخراج والمونتاج » . ومن خلال هذا التّفاعل والتلاقح بين الفنون، برزت عديد من التعابير الفنية الجديدة التي تقطع الصلة مع السائد سواء بإذابة الفوراق بين الفنون أو نفي الحدود فيما بينها. وفي هذا الإطار، دخل الجسد منعطف التشكيل الفني عن طريق خروجه من ذاتّيته وكينونته البشرية الحيّة ليدخل إلى عالم آخر، نتبيّن تجلّياته على سبيل المثال بالعودة إلى »فنّ الأداء »الذي يذكّرنا في خصائصه ببعض مقوّمات المسرحة وآلياتها. فالمتأمّل في « فنّ الأداء » يجده قد انبنى على فكرة قلب موازين الفنّ وذلك بالتّغيير في معاييره الجمالية، إذ يجعل الفنّان من الجسد الإنساني مطيّة يطلق بها العنان من خلاله لأفكاره وأحاسيسه فتتخطّى وتتجاوز كلّ حواجز العقل وقناعاته…

Articles similaires

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.

Bouton retour en haut de la page